السيد نعمة الله الجزائري
135
نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية
الرابع : إن المؤمن يعتقد أن عفو اللّه تعالى مباح للمذنبين فيذنب اعتمادا عليه ، وأما علاج هذه الأربعة ومزيلها فهو الفكر . أما الأول : فبأن يتفكر ويقول إن ما هو آت آت وما أقرب غدا للناظرين والموت أقرب منه والمتأخر إذا وقع صار ناجزا ، ويفكر أنه في الدنيا يركب البحار ويقطع القفار لأجل الربح الذي يظن حصوله واحتياجه إليه ، ولو أخبره طبيب نصراني بضرر الماء البارد لتركه خوفا من الموت مع أن الموت لحظة واحدة ، فكيف لا يقلع عن الذنب بأخبار الأنبياء عليهم السّلام أن ألمه يبقى أبد الآباد وكل يوم في الآخرة بمقدار خمسين ألف سنة من أيام الدنيا ، بهذا التفكر يعالج اللذة الغالبة عليه ، ويقول إذا لم أقدر على ترك هذه اللذات الفانية في هذه الأيام القلائل فكيف أقدر على ذلك أبد الآباد ، وإذا كنت لا أقدر على مفارقة زخارف الدنيا مع كدورتها كيف أصبر على مفارقة النعيم . وأما تسويف التوبة فعلاجه بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف ، لأن المسوف يبني الأمر على ما ليس إليه وهو البقاء فلعله لا يبقى ، وإن بقي فلا يقدر عليه كما لا يقدر عليه هذا الحال ، فليت شعري هل عجز في الحال لغلبة الشهوة والشهوة لا تفارقه بل يقوى كل يوم وهو يضعف ، فإذا كان وقت قوته وضعفها لا يقدر عليها فكيف يقدر عليها إذا انعكس عليه الأمر ، فيكون مثاله مثل من احتاج إلى قلع شجرة صغيرة لا ينقلع إلا بمشقة شديدة ، فقال اؤخرها ثم أعود إليها وهو يعلم أنه كلما بقيت ازداد رسوخها وهو كلما زاد عمره ضعفت قوته ، فلا حماقة أعظم من حماقته . وأما انتظار عفو اللّه فعلاجه الفكر في أن العفو ليس بواجب على اللّه ، فهو كمن أنفق جميع ماله وترك نفسه وعياله فقراء فينتظر أن اللّه سبحانه يطلعه على كنز من الكنوز في أرض خربة ، وهذا أيضا حماقة مثل سابقه ، فإن قيل هذا موقوف على الفكر فما بال القلوب هجرت الفكر وما علاج القلوب لردها إليه ؟ قلنا المانع لها أمران : أحدهما : إن الفكر في الأمور الآخرة لذاع مؤلم للقلب فينفر القلب عنه ، ويتلذذ بالعكس في أمور الدنيا على سبيل التفرج والاستراحة . وثانيهما : إن الفكر مشغول بلذات الدنيا في كل ساعة وفي كل حين فصار عقله مسخرا لشهوته فهو مشغول بتدبير حيلته . وأما علاجهما فبأن يقول لقلبه إذا تألمت من الفكر في أمور الآخرة فكيف لا